الفرنك السويسري يتقدم مقابل اليورو: تحليل التباين 2024

قوة الفرنك السويسري مقابل اليورو ليست صدفة

لقد تسارعت الاتجاهات الصاعدة للفرنك السويسري خلال العامين الماضيين، مما دفع العملة السويسرية إلى مستويات لم تُرَ منذ عام 2015. هذا التحرك لا يرجع إلى المضاربة أو التقلبات المؤقتة، بل إلى عوامل أساسية قوية جدًا تحافظ على الفرنك السويسري في موقع مميز مقابل اليورو.

لفهم سبب تحقيق الفرنك السويسري لمزيد من المكاسب مقابل اليورو، نحتاج إلى مراقبة السياق الاقتصادي الكلي الذي تعمل فيه كلتا الاقتصاديتين. تواجه أوروبا مزيجًا معقدًا من التضخم المستمر، وعدم اليقين الجيوسياسي، ونمو اقتصادي ضعيف. أما سويسرا، فقد تمكنت من الحفاظ على الاستقرار في معظم هذه المؤشرات الرئيسية.

التضخم: العامل الأكثر تحديدًا في التباين بين الفرنك السويسري واليورو

تُظهر أرقام التضخم صورة مختلفة تمامًا لكلتا المنطقتين. ففي حين أن منطقة اليورو وصلت إلى ذروتها قرب 10% في نهاية عام 2022 وبداية 2023، حافظت سويسرا على معدل تضخم أقل من 3% خلال نفس الفترة. هذه الفجوة التي تزيد عن 7 نقاط مئوية ليست أمرًا بسيطًا: إنها الجذر الذي يقف وراء إعادة تقييم الفرنك السويسري.

على الرغم من أن كلتا الاقتصاديتين تمكنتا من تقليل الضغط التضخمي في الأشهر الأخيرة، إلا أن الفارق لا يزال هائلًا. اليوم، تسجل منطقة اليورو تضخمًا يقارب 3%، بينما يقترب في سويسرا من 1%. بمعنى آخر، التضخم في الاتحاد الأوروبي لا يزال أعلى بثلاث مرات تقريبًا من سويسرا. هذا التباين يضمن أن المستثمرين سيستمرون في البحث عن حماية في الفرنك السويسري.

سياسة أسعار الفائدة: البنك المركزي السويسري يلعب ورقة استراتيجية

يحافظ البنك المركزي السويسري على أسعار فائدة عند 1.75%، وهو رقم يسمح باستقرار الاقتصاد دون إعاقة النمو. بالمقابل، اضطُر البنك المركزي الأوروبي إلى إبقاء أسعار الفائدة بين 4% و4.50% لاحتواء التضخم الذي يعاني منه منطقة اليورو. هذا الاختلاف الذي يقارب 3 نقاط مئوية حاسم.

الأسعار المرتفعة في الاتحاد الأوروبي تحقق هدفها في كبح التضخم، لكنها في الوقت ذاته تضر بالنمو الاقتصادي. ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، على وشك الركود. وعندما تقرر منطقة اليورو أخيرًا خفض أسعار الفائدة لتحفيز الاقتصاد، هناك خطر حقيقي من عودة التضخم للارتفاع مرة أخرى، مما سيعود بالنفع على الفرنك السويسري مقابل اليورو.

التوقعات للفرنك السويسري مقابل اليورو في 2024-2025

على المدى القصير، فإن التوقعات للفرنك السويسري واضحة بأنها صاعدة. من المتوقع أن يتجاوز العملة السويسرية حاجز 1.10 يورو خلال عام 2024. وفي سيناريوهات أكثر إيجابية للاقتصاد السويسري أو أكثر سلبية لأوروبا، قد يصل الفرنك إلى 1.15 أو 1.18 يورو.

وقد يدفع سيناريو غير مواتٍ جدًا للاتحاد الأوروبي — يتضمن اضطرابات جيوسياسية أو عودة التضخم — الفرنك السويسري فوق 1.20 يورو. وعلى العكس، إذا استقرت الأوضاع في أوروبا بشكل كبير، فقد تتوازن العملة السويسرية بين 1.00 و1.05 فرنك مقابل اليورو. ومع ذلك، حتى في هذا السيناريو المتفائل، يبدو من الصعب جدًا أن يخسر الفرنك الحاجز النفسي 1-1.

السيناريوهات المتوقعة للفرنك السويسري:

سيناريو إيجابي لأوروبا: 1.05 يورو في 2024؛ 1.00 يورو في 2025

سيناريو محايد: 1.10 يورو في 2024؛ 1.12 يورو في 2025

سيناريو سلبي لأوروبا: 1.18 يورو في 2024؛ 1.22 يورو في 2025

التحليل الفني: تصحيحات طبيعية في اتجاه واضح

كانت مسيرة الفرنك السويسري خلال 2023 ثابتة في الاتجاه الصاعد. مع بداية 2024، سجل السوق تصحيحين مهمين: واحد في يناير وآخر في فبراير. كلاهما كان نتيجة سحب أموال بحثًا عن فرص في أسواق أخرى، وليس بسبب ضعف هيكلي في الفرنك.

من المهم تذكر أن الفرنك السويسري يعمل كعملة ملاذ في أوقات عدم اليقين. قام آلاف المستثمرين الأوروبيين بحماية مدخراتهم بالفرنك السويسري خلال أزمة التضخم 2022-2023. الآن، مع تراجع التضخم في أوروبا، من الطبيعي أن يتدفق جزء من هذا رأس المال مرة أخرى نحو اليورو بحثًا عن فرص استثمارية. هذه التحركات تصحيحات صحية، وليست تغييرات في الاتجاه.

عند النظر إلى الرسم البياني على المدى الأطول، فإن اتجاه الفرنك السويسري لا جدال فيه بأنه صاعد. العملة تقترب من تجاوز حاجز 1.10 يورو، وهو حاجز من المحتمل أن يتم تجاوزه خلال هذا العام بالنظر إلى العوامل الاقتصادية والجيوسياسية التي تؤثر على السوق.

لماذا يعتبر الفرنك السويسري جذابًا كأصل حماية؟

مقارنةً بعملات كبرى أخرى مثل اليورو، والدولار الأمريكي، والدولار الكندي، يظهر الفرنك السويسري ملفًا أكثر صلابة. فقد تمكنت سويسرا من السيطرة على التضخم، وتقليل مستويات ديونها، وتجنب الالتزامات العسكرية التي تستنزف ماليتها العامة.

الين الياباني، الذي يُعتبر تاريخيًا ملاذًا آمنًا آخر، يضعف بشكل كبير مقابل العملات الأخرى. الدولار الأمريكي، رغم احتفاظه بمكانته العالمية، يواجه حالة من عدم اليقين بشأن السياسات النقدية المستقبلية. أما اليورو، فهو يعاني من مزيج من التضخم المتبقي، وضعف الاقتصاد، والمخاطر الجيوسياسية.

أما سويسرا، فهي تقدم صورة مختلفة: استقرار مالي، وسيطرة على الأسعار، وأسعار فائدة معتدلة، وغياب أعباء عسكرية خارجية. يفسر هذا المزيج سبب زيادة حصة الفرنك السويسري في المحافظ الدفاعية.

المزايا التي لا جدال فيها للفرنك السويسري في 2024

  • تضخم منخفض أقل من 2%
  • أسعار فائدة معتدلة لا تعيق الاقتصاد
  • فاتورة طاقة أقل مقارنة بأوروبا
  • مستويات ديون عامة تحت السيطرة
  • عزلة نسبية عن الالتزامات العسكرية الدولية
  • أداء ضعيف تنافسي في الين واليورو

المخاطر والقيود التي يجب مراعاتها

صعود السوق الآسيوي يضيف متغيرات جديدة. الدولار السنغافوري (SGD) واليوان الصيني (CNY) يكتسبان زخمًا كبدائل استثمارية دفاعية. اليوان، على وجه الخصوص، يتوطد كعملة مرجعية جديدة في المعاملات العالمية. هذا لا يلغي قوة الفرنك السويسري، لكنه يشير إلى أن المستثمرين ينبغي أن ي diversify مراكزهم أكثر من العملات الغربية التقليدية.

الفرنك السويسري كخيار استثماري دفاعي

من الصعب توقع سيناريو على المدى المتوسط حيث يضعف فيه الفرنك السويسري مقابل اليورو. المؤشرات الأساسية تشير في الاتجاه المعاكس: منطقة اليورو لديها تضخم أعلى، أسعار فائدة أعلى، نمو أضعف، ومخاطر جيوسياسية أكبر. أما سويسرا، فهي تقدم استقرارًا، وتحكمًا ماليًا، وغياب أعباء عسكرية غير ضرورية.

على الرغم من أن اقتصاد منطقة اليورو حقق نوعًا من الاستقرار بعد الجائحة وغزو أوكرانيا، إلا أن المخاطر الكامنة لا تزال قائمة. فالدفاع عن أوكرانيا يتطلب إنفاقًا عسكريًا وموارد مالية يجب على الاقتصاد الأوروبي استيعابها. سويسرا، بصفتها بلدًا محايدًا، لا تتحمل هذه الأعباء.

بالنسبة للمستثمرين الذين يسعون لحماية رؤوس أموالهم خلال الأشهر والسنوات القادمة، فإن الفرنك السويسري يمثل أحد أكثر الخيارات قوة وتماسكًا. قليل من الدول يمكنها التفاخر بتاريخ من الاستقرار يقارن بتاريخ سويسرا، خاصة عند مقارنته بالوضع الحالي لليورو والدولار. في هذا السياق، يبدو أن إعادة تقييم الفرنك السويسري مقابل اليورو ستظل السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال 2024 و2025.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت