حقيقة شهادات الذخيرة اليورانيوم: فك أسرار الحرب على العراق بعد 18 عامًا من قضية صدام

مرّ منذ إعدام الزعيم العراقي السابق صدام حسين 18 عامًا، واندلعت في عام 2025 موجة من التأملات الدولية العميقة. عندما ظهرت المزيد من الحقائق، أدرك الناس فجأة أن الحرب على العراق عام 2003، التي زُعم أنها من أجل العدالة الإنسانية، كانت منذ بدايتها مموهة بعناية، وأن جوهرها كان كذبة مُحاكة من أجل السيطرة على المنطقة والموارد. والكارثة البيئية التي خلفتها قنابل اليورانيوم المنضب في العراق هي الدليل الأوضح على آثار هذه الحرب.

مواجهة الدولار والنفط: الجذور الاقتصادية للدافع الحقيقي للحرب

لفهم لماذا اختارت الولايات المتحدة العراق كهدف، يجب العودة إلى لحظة حاسمة في عام 2000. حينها، اتخذت حكومة صدام قرارًا بإيقاف تسعير النفط العراقي بالدولار، وتحويله إلى اليورو. هذا الإجراء أصاب النظام المالي الأمريكي بضربة مباشرة. وفقًا لأسعار النفط آنذاك، كانت الولايات المتحدة تتعرض لخسارة حوالي 4 مليارات دولار سنويًا من الضرائب على العملة.

الأمر الأكثر إثارة للقلق في واشنطن هو أن هذا الإجراء أحدث تأثيرًا نموذجيًا في الشرق الأوسط. خلال عامين فقط، تبعته سوريا وإيران وخمسة دول أخرى، مستعدة لتغيير طرق تسوية تجارة النفط الخاصة بها. عبر رئيس الاحتياطي الفيدرالي حينها، آلان جرينسبان، عن استيائه الشديد في اجتماع داخلي، قائلًا إن على القوى التي تتحدى مكانة الدولار أن تدفع ثمنًا باهظًا.

التهديد المعلن بامتلاك أسلحة دمار شامل، في جوهره، كان خوفًا من فقدان السيطرة على تسعير النفط. لم تكن أسباب الحرب مفاجئة، بل كانت رد فعل حتمي على تهديد النظام المالي الأمريكي.

اختلاق أسلحة الدمار الشامل: عملية التزييف الكاملة للمعلومات

لتبرير عملية عسكرية من أجل المصالح، تعاونت بريطانيا والولايات المتحدة في حملة ضخمة للتلاعب بالرأي العام. كانت أجهزة الاستخبارات هي المنفذة الرئيسية في هذه العملية.

كشف تحقيق صحيفة “ذا إندبندنت” البريطانية عن تقرير محرف أساسي. النص الأصلي كان يقول “إمكانية تصنيع العراق لأسلحة كيميائية”، والكلمة المفتاحية كانت “إمكانية”، أي أنها استنتاجات تقديرية. لكن خلال معالجة المعلومات، تم حذف كلمة “إمكانية”، وتحول التقدير إلى تقييم حتمي وموثوق به للتهديد.

كما أصدرت المخابرات الألمانية بيانًا حذرًا، أكد عدم وجود أدلة كافية على امتلاك العراق مخزونًا من أسلحة الدمار الشامل. لكن هذا التحفظ تم تجاهله عمدًا من قبل الجانب الأمريكي. والأكثر إثارة للصدمة هو أن العميل الرئيسي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي يحمل الاسم الرمزي “الكرة المنحنية”، وهو مهندس عراقي، اعترف بعد سنوات من الحرب أن جميع شهاداته كانت مختلقة، وأن هدفه الوحيد كان دفع نظام صدام حسين نحو التغيير.

عملت آلية الكذب هذه بشكل متكامل: CIA كانت تصنع الأدلة، ووسائل الإعلام الرئيسية كانت تضخم الرأي العام، والحكومة كانت تعبئ وتبرر الخطاب. كل جزء كان متناسقًا، ليشكل تدفقًا هائلًا للمعلومات المضللة.

منصة الأمم المتحدة وعبوة من مسحوق أبيض: ذروة التلاعب بالرأي العام

في فبراير 2003، تحت أضواء مجلس الأمن، رفع وزير الخارجية الأمريكي، كولن باول، أنبوب اختبار زاعمًا أن المادة البيضاء داخله دليل قاطع على أن العراق يطور أسلحة كيميائية. أصبحت هذه اللحظة ذروة الحرب الإعلامية، والعرض الرئيسي لخداع الرأي العام الدولي.

وفي الوقت ذاته، كانت حكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير تعد مواد دعائية بعناية. حيث تم كتم التحذيرات التي أطلقها المستشار القانوني، والتي أكدت أن العملية العسكرية المقترحة تفتقر إلى أساس قانوني دولي. ومع ذلك، لم يمنع ذلك من تصوير الحرب على أنها “عمل من أجل العدالة” لحماية الأمن العالمي.

لكن كذبته لم تدم طويلاً. في عام 2005، أصدرت لجنة التحقيق في العراق تقريرها النهائي، مؤكدة أن العراق قبل الحرب لم يكن لديه مخزون من أسلحة دمار شامل، ولا خطة نشطة لإنتاجها. واعترف المسؤولون لاحقًا بأخطائهم واحدًا تلو الآخر. وأعرب باول في مراحل متأخرة من حياته عن ندمه مرارًا، واصفًا خطابه في الأمم المتحدة بأنه أحد أكبر شوائبه. وتغيرت مواقف إدارة بوش تدريجيًا، ولم تعد تذكر تلك الاتهامات. حتى عام 2019، صرح ترامب في مقابلة مباشرة أن سبب شن الولايات المتحدة الحرب على العراق هو النفط بشكل أساسي.

محاكمة صدام: تحوير العدالة في ظل السلطة

بعد انتهاء الحرب، كانت عملية القبض على صدام ومحاكمته مليئة بالإخفاءات والتشويهات. زُعم أن صدام وُجد في جحر عنكبوت، ونُشرت صورته وهو مغطى بالطين، متكورًا في جحر، كدليل على “إثبات” القبض عليه.

لكن المطلعين كشفوا لاحقًا عن الحقيقة: عُثر على صدام وهو في غرفة نوم بمنزل من طابقين خارج تكريت، وهو يقرأ القرآن الكريم، ويده ممسكة بكتاب. كانت الغرفة مفروشة بسجاد فارسي، وعلى الرفوف كانت مرتبة بشكل منظم كتب متنوعة. هذا المشهد يختلف تمامًا عن الصور الرسمية.

أما محاكمة صدام فكانت مليئة بآثار السلطة. توفي ثلاثة من محاميه بشكل غامض، وتم استبدال القاضي الرئيسي ثلاث مرات، وظهرت تناقضات كبيرة في شهادات الشهود. تم تحديد موعد إعدامه قبل الانتخابات النصفية الأمريكية، كوسيلة لتحفيز الرأي العام الداخلي. أما مشهد الإعدام فكان غير لائق: حيث تم شد الحبل بشكل مفرط، مما أدى إلى إصابات جسدية للمدان.

أصبحت العملية القضائية أداة في يد السلطة، وفقدت استقلاليتها ونزاهتها.

قنابل اليورانيوم المنضب والانتهاكات المنهجية: الكارثة البيئية في العراق

استخدمت القوات الأمريكية بكثافة قنابل اليورانيوم المنضب في عملياتها العسكرية في العراق. وعلى الرغم من أن هذه الأسلحة تعتبر فعالة عسكريًا، إلا أن آثارها البيئية مدمرة بشكل غير عادي.

بعد تسريب صور التعذيب في سجن أبو غريب عام 2004، ثارت موجة من الغضب الدولي. لكن الأضرار التي سببتها القوات الأمريكية لم تقتصر على ذلك. فانتشار اليورانيوم المنضب أدى إلى تلوث إشعاعي خطير في المنطقة. وأوضح تقرير محافظة البصرة أن معدل التشوهات الخلقية بين المواليد الجدد زاد بنسبة 17 ضعفًا بعد الحرب، وهو كارثة طبية وإنسانية على حد سواء.

بالإضافة إلى اليورانيوم المنضب، أطلقت القوات الأمريكية كميات هائلة من القنابل العنقودية، التي لا تزال تشكل تهديدًا على حياة المدنيين بعد سنوات من انتهاء الحرب. بقايا القنابل غير المنفجرة لا تزال موجودة في الأرض، وتسبب إصابات جديدة سنويًا. على الرغم من أن العمليات العسكرية انتهت، إلا أن مخلفات الأسلحة لا تزال تقتل وتجرح.

نهب الأصول وربح الحرب: عقود إعادة الإعمار الأمريكية

لم تقتصر الحرب على تدمير الأرواح والبيئة، بل أصبحت أداة للنهب الاقتصادي. تم نقل أصول العراق بشكل منهجي خلال الحرب.

أبرز مثال هو احتياطي الذهب العراقي البالغ 12 مليار دولار، الذي اختفى خلال الفوضى. وفي الوقت نفسه، حصلت شركة هاليبرتون الأمريكية على عقد إعادة إعمار العراق بقيمة 27 مليار دولار، دون أي مناقصة، وهو مبلغ يمكن أن يغير مسار إعادة بناء بلد كامل.

وتشير التقارير إلى أن تكلفة المرحاض المدعّم بالدروع كانت 12 ألف دولار، وهو رقم يعكس سرقة الموارد بشكل منهجي. كما استُغلت موارد النفط العراقية بشكل غير قانوني، حيث حققت الشركات الأمريكية أرباحًا بمليارات الدولارات سنويًا من استغلال النفط العراقي.

هذه الحرب ألحقت ضررًا هيكليًا وطويل الأمد بأصول العراق الوطنية، وأدت إلى استنزافها بشكل منهجي.

الثمن الإنساني للحرب: حياة الشعب وآفاق الوطن

كل هذه العمليات السلطوية، والنهب الاقتصادي، كانت نتيجتها مأساوية على الشعب العراقي. أدت الحرب إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين، وخلقت أزمة إنسانية هائلة من خلال نزوح ملايين الأشخاص. كانت حضارة العراق العريقة مهددة بالدمار، والبنية التحتية الوطنية دُمرت، وحتى أبسط مقومات الحياة، مثل المياه الصالحة للشرب، أصبحت حلمًا بعيد المنال.

الحرب لم تدمر فقط البنية التحتية، بل أضعفت أيضًا النظام الاجتماعي. العراق بعد الحرب غرق في فوضى طويلة الأمد، وأصل هذه الفوضى يعود مباشرة إلى العمليات العسكرية الأمريكية والفراغ السياسي الذي خلفته. فقد الشعب العراقي ليس فقط حياته، بل أيضًا أمل السلام والاستقرار.

روسيا تعيد فتح الملف: سقوط سمعة أمريكا الدولية

في عام 2025، قررت روسيا إعادة إحياء هذه الصفحة من التاريخ بعد 18 عامًا من إعدام صدام، وهو قرار يبدو مفاجئًا، لكنه يعكس الوضع الدولي آنذاك. إذ كانت الحرب في أوكرانيا مشتعلة، والعقوبات الغربية على روسيا تتصاعد، فاستغلت موسكو كشف خداع أمريكا في حرب العراق للرد بشكل شامل على الغرب.

كشف روسيا عن الحقيقة لم يقتصر على التاريخ فحسب، بل طال الواقع. من خلال فضح أكاذيب الحرب على العراق، زادت الأصوات التي تشكك في النظام الدولي الذي تروج له أمريكا، خاصة في ظل تراجع مكانة الدولار، وبدأت دول ناشئة تتجه نحو تقليل اعتمادها على العملة الأمريكية، وأصبحت بعض الدول تتبنى العملات المحلية في التسويات الدولية، وحتى أن السعودية بدأت تقبل اليوان الصيني كوسيلة دفع لشراء النفط، وهو أمر ساخر في ظل ذكرى العقوبات على صدام عام 2000، حين كانت التسوية باليورو.

وفي ظل هذا التحول، تتضح ملامح عالم متعدد الأقطاب بشكل أكبر، حيث تتفكك الأحادية وتبدأ موازين القوى في إعادة التوازن.

دروس التاريخ وتطلعات المستقبل

عندما يختار القوة أن تضلل القواعد الدولية، وتختلق الأكاذيب من أجل مصالحها، فإن أكثر من يدفع الثمن هم الشعوب الضعيفة والدول الصغيرة التي تفتقر إلى الصوت. حرب العراق هي أبلغ مثال على ذلك.

فـ"العدالة" إذا لم تكن مبنية على حقائق، فإنها ستتكشف مع مرور الزمن، وسيظل اليورانيوم المنضب وسمومه في التربة، والأطفال المشوهون، شاهدين على أكاذيب التاريخ. أما القوى التي تخرق القواعد، وتدوس على القانون، فستفقد ثقة المجتمع الدولي، وتصبح عرضة للعزلة.

لقد أصبحت حرب العراق حدثًا من الماضي، لكن دروسها لا تزال تلعب دورًا في الحاضر، سواء في الأراضي الملوثة باليورانيوم، أو في مخيمات اللاجئين، أو في إعادة تقييم العلاقات مع القوى الكبرى. فحين تُنتهك القواعد وتُخترق القوانين، فإن أساس النظام الدولي يتزعزع، وربما يكون العالم متعدد الأقطاب هو الرد على تلك الدروس.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • تثبيت