مستقبل أداء الدولار على مدى العشر سنوات القادمة أصبح محور اهتمام المستثمرين حول العالم. مع تعديل سياسات الاحتياطي الفيدرالي وتغيرات النظام الاقتصادي العالمي، يواجه مركز الدولار في النظام المالي الدولي تحولات عميقة. من خلال استعراض الدورات التاريخية، وتأثير السياسات الاقتصادية، والاضطرابات الخارجية، وتحليل آليات سعر الصرف، نقدم لكم نظرة شاملة على مسار الدولار المحتمل خلال العقد القادم.
المنطق الأساسي لعمل سعر صرف الدولار
سعر صرف الدولار يشير إلى قيمة أو معدل تبادل عملة معينة مقابل الدولار. على سبيل المثال، EUR/USD يمثل كم من الدولارات يحتاجه الشخص ليشتري يورو واحد، وإذا كان EUR/USD=1.04 فهذا يعني أن يورو واحد يساوي 1.04 دولار. إذا ارتفع السعر إلى 1.09، فهذا يدل على أن اليورو يقدر مقابل الدولار، أي أن الدولار يضعف؛ وإذا انخفض إلى 0.88، فهذا يعني أن اليورو يهبط مقابل الدولار، والدولار يزداد قوة.
مؤشر الدولار (DXY) يتكون من سلة من ست عملات رئيسية مقابل الدولار، تشمل اليورو، الين الياباني، الجنيه الإسترليني، الدولار الكندي، الكرون السويدي، والفرنك السويسري. مستوى المؤشر يعكس القوة النسبية لهذه العملات. من المهم ملاحظة أن، رغم تأثير سياسات الاحتياطي الفيدرالي على الدولار، فإن إجراءات البنوك المركزية للدول المكونة للمؤشر لها نفس الأهمية — فخفض الفائدة في أمريكا لا يعني بالضرورة هبوط مؤشر الدولار، بل يعتمد على السياسات التي تتخذها تلك الدول لمواجهة التغيرات.
الدورات التاريخية للدولار: مرآة لعشر سنوات قادمة
لفهم مسار الدولار في المستقبل، من الضروري استعراض تطوره عبر التاريخ. منذ انهيار نظام بريتون وودز عام 1971، مر الدولار بثماني مراحل دورية مهمة، كل منها تهيمن عليها سياسات اقتصادية، صدمات خارجية، وتدفقات رأس مال.
المرحلة الأولى (1971-1980): انهيار الذهب وتراجع الدولار
اضطر الرئيس نيكسون لإعلان انتهاء نظام الذهب، وبدأ سعر صرف الدولار يتغير بحرية مقابل الذهب، مما أدى إلى دخول الدولار في مرحلة من التضخم المفرط. تلت ذلك أزمات النفط وارتفاع التضخم، مما أدى إلى تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له تحت 90. هذه المرحلة كانت بمثابة إنذار مبكر على مدى تأثير السياسات الخاطئة والأزمات على قوة الدولار.
المرحلة الثانية (1980-1985): رفع الفائدة بقوة لوقف التدهور
نفذ رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر سياسة تشديد قوية، رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى مستوى قياسي بلغ 20%، ثم حافظ على مستويات بين 8-10%. أدى ذلك إلى قوة مستمرة في مؤشر الدولار، الذي بلغ ذروته في 1985. الدرس هنا هو أن السياسات الحاسمة من قبل البنوك المركزية يمكن أن تعكس بسرعة اتجاهات سعر الصرف.
المرحلة الثالثة (1985-1995): عجز الميزانية وفترة سوق هابطة طويلة
تسبب “العيوب المزدوجة” (عجز الميزانية والتجارة) في دخول الدولار في سوق هابطة استمرت لعقد كامل. هذا يوضح أن تدهور الحساب الجاري لأي بلد يضغط على عملته على المدى الطويل.
المرحلة الرابعة (1995-2002): قوة الدولار في عصر الإنترنت
قاد الرئيس كلينتون إصلاحات اقتصادية، ودفعت الثورة الرقمية إلى تدفق رؤوس أموال عالمية نحو الولايات المتحدة، مما رفع مؤشر الدولار إلى 120. هذا يبرز أن النمو الاقتصادي هو المحرك الأساسي لارتفاع قيمة العملة.
المرحلة الخامسة (2002-2010): فقاعة الإنترنت والأزمة المالية
انفجار فقاعة الإنترنت، أحداث 11 سبتمبر، وتبني سياسات التيسير الكمي أدت إلى الأزمة المالية عام 2008، وتراجع الدولار إلى أدنى مستوياته عند حوالي 60. هذه المرحلة تذكرنا أن الأزمات ترفع من قيمة الدولار كملاذ آمن، لكن السياسات التيسيرية على المدى الطويل تضعف القوة الشرائية للدولار.
المرحلة السادسة (2011-2020): تعافٍ نسبي وقوة نسبية
شهدت هذه الفترة أزمة ديون أوروبا، وتقلبات سوق الأسهم الصينية، بينما استمرت الولايات المتحدة في النمو. رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة أدى إلى تعزيز الدولار، وارتفع مؤشره مجددًا. هذا يوضح أن استقرار النمو النسبي وارتفاع الفائدة يدعمان قوة العملة.
المرحلة السابعة (2020-حتى الآن): التيسير الكمي، رفع الفائدة، وتحديات جديدة
أدى جائحة كوفيد-19 إلى خفض الفائدة إلى الصفر، وطبعت كميات هائلة من النقود، مما أدى إلى تضخم كبير. في 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة بشكل حاد، وبدأ سياسة التشديد الكمي (QT)، مما أدى إلى تراجع الثقة في الدولار رغم السيطرة على التضخم.
الدروس المستفادة من الدورات التاريخية للعشر سنوات القادمة: يتوقف مسار الدولار على ثلاثة عوامل رئيسية: مستويات الفائدة النسبية، وتفاوت النمو الاقتصادي، ومكانة العملة كاحتياطي عالمي.
الوضع الحالي وتوقعات قصيرة المدى
وفقًا للتحليل الفني والأساسي، الدولار الآن في نقطة تحول مهمة. كسره المتوسط المتحرك البسيط لـ200 يوم يشير إلى ضغط هبوطي. مع توقعات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي وضعف البيانات الاقتصادية، تراجعت عوائد السندات، مما يقلل من جاذبية الدولار.
رغم احتمال حدوث تصحيح صعودي قصير المدى، إلا أن الاتجاه العام لا يزال يميل نحو الهبوط. إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في خفض الفائدة، واستمرت البيانات الاقتصادية في التدهور، قد يبقى مؤشر الدولار في نطاق 95-102 خلال الفترة القادمة، مع هدف دعم أدنى عند 102.00، وهو مشابه للظروف التي شهدناها في المراحل الثالثة والخامسة من الدورات السابقة، حيث تراجع الفائدة وتباطأت النمو.
أداء الدولار مقابل العملات الرئيسية خلال العشر سنوات القادمة
اليورو/الدولار: مؤشر هبوط الدولار
علاقة اليورو/الدولار غالبًا عكسية لمؤشر الدولار. مع تراجع الدولار، وتحسن سياسات البنك المركزي الأوروبي، وتوقعات اقتصادية إيجابية في أوروبا، من المتوقع أن يستمر اليورو في الارتفاع مقابل الدولار.
تقنيًا، إذا استقر اليورو/الدولار فوق مستوى 1.0900، فسيواصل محاولة اختراق مستويات أعلى، مع وجود مقاومة نفسية عند 1.0900. بعد الاختراق، قد نشهد موجة صعود أكبر، مما يعكس توقعات تراجع الدولار مقابل اليورو على المدى الطويل.
الجنيه الإسترليني/الدولار: المستفيد من السياسات المنفصلة
الجنيه الإسترليني مرتبط جدًا بالدولار. يتوقع السوق أن يكون بنك إنجلترا أبطأ في خفض الفائدة مقارنةً بالاحتياطي الفيدرالي، مما يمنح الجنيه دعمًا نسبيًا. إذا اتخذ بنك إنجلترا سياسة حذرة في خفض الفائدة، فسيظل الجنيه قويًا مقابل الدولار، ويدفع زوج GBP/USD للارتفاع.
تقنيًا، تشير المؤشرات إلى أن زوج GBP/USD قد يظل في نطاق تصحيحي صاعد خلال العشر سنوات القادمة، مع نطاق تقلب رئيسي بين 1.25 و1.35. التباين في السياسات والمخاوف من المخاطر السياسية قد يدفع الزوج لاختبار مستويات 1.40، مع ضرورة الحذر من التصحيحات الناتجة عن المخاطر السياسية.
الدولار/اليوان الصيني: استقرار مدعوم بسياسات
سعر صرف الدولار مقابل اليوان يتأثر بشكل كبير بسياسات البنك المركزي الأمريكي والصين، بالإضافة إلى العرض والطلب في السوق. إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في رفع الفائدة، وتباطأت الصين، فسيضغط ذلك على اليوان، مما يدفع USD/CNH للارتفاع. لكن تدخلات البنك المركزي الصيني وسياساته ستظل تلعب دورًا مهمًا، وقد تحد من ارتفاع الدولار.
تقنيًا، من المتوقع أن يتداول الدولار بين 7.2300 و7.2600، مع عدم وجود زخم كافٍ لاختراق هذه المنطقة حاليًا. مراقبة الاختراقات ستوفر فرصًا للتداول، خاصة أن الصين، كأكبر حائز للدولار، تؤثر بشكل كبير على مساره.
الدولار/الين الياباني: ضغوط على الين
زوج الدولار/الين هو الأكثر سيولة بين العملات. مع ارتفاع الأجور اليابانية بنسبة 3.1% في يناير، وهو أعلى مستوى منذ 32 عامًا، قد تتغير الصورة طويلة الأمد، خاصة مع ارتفاع التضخم، مما قد يدفع بنك اليابان لتعديل سياسته النقدية. إذا تعرض لضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، فقد يسرع بنك اليابان في رفع الفائدة.
بناءً عليه، من المتوقع أن يتجه زوج الدولار/الين نحو الانخفاض خلال العشر سنوات القادمة، مع توقعات أن يضغط رفع الفائدة الأمريكية على الزوج، وأن تعزز انتعاشة الاقتصاد الياباني من الاتجاه النزولي. تقنيًا، إذا كسر الزوج مستوى 146.90، فسيواصل الهبوط نحو مستويات أدنى، مع مقاومة عند 150.00، مما يعكس ضغط تراجع طويل الأمد على الدولار مقابل الين.
الدولار/AUD: مرتبط بالسلع
الناتج المحلي الإجمالي لأستراليا في الربع الأخير نما بنسبة 0.6% على أساس فصلي و1.3% على أساس سنوي، مع ارتفاع الفائض التجاري في يناير إلى 562 مليار دولار، مما يدعم قوة الدولار الأسترالي. بنك الاحتياطي الأسترالي يتخذ موقفًا حذرًا، مع احتمالية منخفضة لخفض الفائدة مستقبلًا، مما يعزز موقف العملة.
رغم البيانات الإيجابية، فإن سياسات التيسير في الاحتياطي الفيدرالي وضعف الدولار الناتج عن ذلك سيظل يدعم ارتفاع زوج AUD/USD، خاصة أن العملة الأسترالية مرتبطة بشكل كبير بأسعار السلع، مما يعكس أن العملات السلعية ستظل قوية في بيئة تراجع الدولار.
الإطار الكلي لمسار الدولار خلال العشر سنوات القادمة
عند دمج الدورات التاريخية، والسياسات الحالية، والظروف الاقتصادية العالمية، يمكن تلخيص مسار الدولار المتوقع بأنه: انتقال تدريجي من وضعية قوية نسبيًا إلى تراجع معتدل، مع تقلبات مرحلية.
ثلاثة عوامل رئيسية تدعم هذا التوقع:
تحول السياسات النقدية: من تشديد إلى تيسير من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مع تباين في سياسات البنوك المركزية الأخرى، مما يخلق تباينًا في السياسات. التجربة التاريخية تظهر أن تراجع الفائدة النسبية يدفع العملات الأخرى لزيادة قوتها مقابل الدولار.
تفاوت النمو الاقتصادي: من المتوقع أن يتباطأ النمو في الولايات المتحدة، بينما تظهر مؤشرات على انتعاش في أوروبا واليابان، مما يعاكس سيناريو القوة النسبية التي سادت بين 2011 و2020.
توجه نحو تقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization): رغم بطئه، إلا أنه مستمر، مع دول البريكس التي تعزز استخدام عملاتها المحلية، وتقليل حيازاتها من السندات الأمريكية، مما يضع ضغطًا على مكانة الدولار كعملة احتياط رئيسية على المدى الطويل.
استراتيجيات الاستثمار: كيف تستفيد من مسار الدولار في العشر سنوات القادمة
استراتيجية قصيرة المدى (1-2 سنة): التداول ضمن نطاق
قبل وضوح مسار سياسات الاحتياطي الفيدرالي، من المتوقع أن يتذبذب مؤشر الدولار بين 95 و103. يمكن للمستثمرين المتمرسين استخدام أدوات فنية (مثل تباينات MACD، وتصحيحات فيبوناتشي) لبيع المرتفعات وشراء الانخفاضات داخل هذا النطاق، والاستفادة من إشارات الانعكاس. أما المستثمرون المحافظون، فينصحون بالانتظار حتى تتضح الاتجاهات بشكل أكبر.
ينبغي الانتباه للمخاطر المحتملة، مثل تصعيد النزاعات الجيوسياسية التي قد ترفع من الطلب على الدولار كملاذ آمن، أو بيانات اقتصادية أمريكية قوية تؤجل خفض الفائدة، أو مخاطر الديون التي قد تضعف سمعة الدولار.
استراتيجية طويلة المدى (3-10 سنوات): التحول تدريجيًا إلى أصول غير أمريكية
مع تعمق دورة خفض الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي، وتضاؤل عوائد السندات الأمريكية، ستتجه رؤوس الأموال تدريجيًا نحو الأسواق الناشئة ذات النمو المرتفع أو أوروبا التي تتعافى. على المستثمرين على المدى الطويل، تقليل مراكز الشراء على الدولار تدريجيًا، وتوزيع الاستثمارات على:
عملات ذات أداء قوي نسبيًا: الين الياباني (دورة رفع الفائدة)، الدولار الأسترالي (مدعوم بأسعار السلع)
أصول سلعية: الذهب (للتحوط من تراجع الدولار)، النحاس (مؤشر على الانتعاش الاقتصادي)
أسهم الأسواق الناشئة ذات العوائد المرتفعة: سندات اليورو، الأسهم الناشئة
مبدأ الاستثمار الأساسي: أن مسار الدولار خلال العشر سنوات القادمة سيكون أكثر اعتمادًا على “البيانات” و"الأحداث"، وأن الحفاظ على المرونة والانضباط هو السبيل لتحقيق عوائد تفوق السوق. يجب مراجعة وتعديل مراكز الاستثمار بشكل دوري، استنادًا إلى اجتماعات البنوك المركزية، البيانات الاقتصادية، والأحداث الجيوسياسية، بدلًا من التمسك بموقف واحد ثابت.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
خارطة الطريق المستقبلية للدولار الأمريكي على مدى العشر سنوات القادمة: من الدورات التاريخية إلى فرص الاستثمار
مستقبل أداء الدولار على مدى العشر سنوات القادمة أصبح محور اهتمام المستثمرين حول العالم. مع تعديل سياسات الاحتياطي الفيدرالي وتغيرات النظام الاقتصادي العالمي، يواجه مركز الدولار في النظام المالي الدولي تحولات عميقة. من خلال استعراض الدورات التاريخية، وتأثير السياسات الاقتصادية، والاضطرابات الخارجية، وتحليل آليات سعر الصرف، نقدم لكم نظرة شاملة على مسار الدولار المحتمل خلال العقد القادم.
المنطق الأساسي لعمل سعر صرف الدولار
سعر صرف الدولار يشير إلى قيمة أو معدل تبادل عملة معينة مقابل الدولار. على سبيل المثال، EUR/USD يمثل كم من الدولارات يحتاجه الشخص ليشتري يورو واحد، وإذا كان EUR/USD=1.04 فهذا يعني أن يورو واحد يساوي 1.04 دولار. إذا ارتفع السعر إلى 1.09، فهذا يدل على أن اليورو يقدر مقابل الدولار، أي أن الدولار يضعف؛ وإذا انخفض إلى 0.88، فهذا يعني أن اليورو يهبط مقابل الدولار، والدولار يزداد قوة.
مؤشر الدولار (DXY) يتكون من سلة من ست عملات رئيسية مقابل الدولار، تشمل اليورو، الين الياباني، الجنيه الإسترليني، الدولار الكندي، الكرون السويدي، والفرنك السويسري. مستوى المؤشر يعكس القوة النسبية لهذه العملات. من المهم ملاحظة أن، رغم تأثير سياسات الاحتياطي الفيدرالي على الدولار، فإن إجراءات البنوك المركزية للدول المكونة للمؤشر لها نفس الأهمية — فخفض الفائدة في أمريكا لا يعني بالضرورة هبوط مؤشر الدولار، بل يعتمد على السياسات التي تتخذها تلك الدول لمواجهة التغيرات.
الدورات التاريخية للدولار: مرآة لعشر سنوات قادمة
لفهم مسار الدولار في المستقبل، من الضروري استعراض تطوره عبر التاريخ. منذ انهيار نظام بريتون وودز عام 1971، مر الدولار بثماني مراحل دورية مهمة، كل منها تهيمن عليها سياسات اقتصادية، صدمات خارجية، وتدفقات رأس مال.
المرحلة الأولى (1971-1980): انهيار الذهب وتراجع الدولار
اضطر الرئيس نيكسون لإعلان انتهاء نظام الذهب، وبدأ سعر صرف الدولار يتغير بحرية مقابل الذهب، مما أدى إلى دخول الدولار في مرحلة من التضخم المفرط. تلت ذلك أزمات النفط وارتفاع التضخم، مما أدى إلى تراجع الدولار إلى أدنى مستوى له تحت 90. هذه المرحلة كانت بمثابة إنذار مبكر على مدى تأثير السياسات الخاطئة والأزمات على قوة الدولار.
المرحلة الثانية (1980-1985): رفع الفائدة بقوة لوقف التدهور
نفذ رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق بول فولكر سياسة تشديد قوية، رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى مستوى قياسي بلغ 20%، ثم حافظ على مستويات بين 8-10%. أدى ذلك إلى قوة مستمرة في مؤشر الدولار، الذي بلغ ذروته في 1985. الدرس هنا هو أن السياسات الحاسمة من قبل البنوك المركزية يمكن أن تعكس بسرعة اتجاهات سعر الصرف.
المرحلة الثالثة (1985-1995): عجز الميزانية وفترة سوق هابطة طويلة
تسبب “العيوب المزدوجة” (عجز الميزانية والتجارة) في دخول الدولار في سوق هابطة استمرت لعقد كامل. هذا يوضح أن تدهور الحساب الجاري لأي بلد يضغط على عملته على المدى الطويل.
المرحلة الرابعة (1995-2002): قوة الدولار في عصر الإنترنت
قاد الرئيس كلينتون إصلاحات اقتصادية، ودفعت الثورة الرقمية إلى تدفق رؤوس أموال عالمية نحو الولايات المتحدة، مما رفع مؤشر الدولار إلى 120. هذا يبرز أن النمو الاقتصادي هو المحرك الأساسي لارتفاع قيمة العملة.
المرحلة الخامسة (2002-2010): فقاعة الإنترنت والأزمة المالية
انفجار فقاعة الإنترنت، أحداث 11 سبتمبر، وتبني سياسات التيسير الكمي أدت إلى الأزمة المالية عام 2008، وتراجع الدولار إلى أدنى مستوياته عند حوالي 60. هذه المرحلة تذكرنا أن الأزمات ترفع من قيمة الدولار كملاذ آمن، لكن السياسات التيسيرية على المدى الطويل تضعف القوة الشرائية للدولار.
المرحلة السادسة (2011-2020): تعافٍ نسبي وقوة نسبية
شهدت هذه الفترة أزمة ديون أوروبا، وتقلبات سوق الأسهم الصينية، بينما استمرت الولايات المتحدة في النمو. رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة أدى إلى تعزيز الدولار، وارتفع مؤشره مجددًا. هذا يوضح أن استقرار النمو النسبي وارتفاع الفائدة يدعمان قوة العملة.
المرحلة السابعة (2020-حتى الآن): التيسير الكمي، رفع الفائدة، وتحديات جديدة
أدى جائحة كوفيد-19 إلى خفض الفائدة إلى الصفر، وطبعت كميات هائلة من النقود، مما أدى إلى تضخم كبير. في 2022، بدأ الاحتياطي الفيدرالي برفع الفائدة بشكل حاد، وبدأ سياسة التشديد الكمي (QT)، مما أدى إلى تراجع الثقة في الدولار رغم السيطرة على التضخم.
الدروس المستفادة من الدورات التاريخية للعشر سنوات القادمة: يتوقف مسار الدولار على ثلاثة عوامل رئيسية: مستويات الفائدة النسبية، وتفاوت النمو الاقتصادي، ومكانة العملة كاحتياطي عالمي.
الوضع الحالي وتوقعات قصيرة المدى
وفقًا للتحليل الفني والأساسي، الدولار الآن في نقطة تحول مهمة. كسره المتوسط المتحرك البسيط لـ200 يوم يشير إلى ضغط هبوطي. مع توقعات خفض الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي وضعف البيانات الاقتصادية، تراجعت عوائد السندات، مما يقلل من جاذبية الدولار.
رغم احتمال حدوث تصحيح صعودي قصير المدى، إلا أن الاتجاه العام لا يزال يميل نحو الهبوط. إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في خفض الفائدة، واستمرت البيانات الاقتصادية في التدهور، قد يبقى مؤشر الدولار في نطاق 95-102 خلال الفترة القادمة، مع هدف دعم أدنى عند 102.00، وهو مشابه للظروف التي شهدناها في المراحل الثالثة والخامسة من الدورات السابقة، حيث تراجع الفائدة وتباطأت النمو.
أداء الدولار مقابل العملات الرئيسية خلال العشر سنوات القادمة
اليورو/الدولار: مؤشر هبوط الدولار
علاقة اليورو/الدولار غالبًا عكسية لمؤشر الدولار. مع تراجع الدولار، وتحسن سياسات البنك المركزي الأوروبي، وتوقعات اقتصادية إيجابية في أوروبا، من المتوقع أن يستمر اليورو في الارتفاع مقابل الدولار.
تقنيًا، إذا استقر اليورو/الدولار فوق مستوى 1.0900، فسيواصل محاولة اختراق مستويات أعلى، مع وجود مقاومة نفسية عند 1.0900. بعد الاختراق، قد نشهد موجة صعود أكبر، مما يعكس توقعات تراجع الدولار مقابل اليورو على المدى الطويل.
الجنيه الإسترليني/الدولار: المستفيد من السياسات المنفصلة
الجنيه الإسترليني مرتبط جدًا بالدولار. يتوقع السوق أن يكون بنك إنجلترا أبطأ في خفض الفائدة مقارنةً بالاحتياطي الفيدرالي، مما يمنح الجنيه دعمًا نسبيًا. إذا اتخذ بنك إنجلترا سياسة حذرة في خفض الفائدة، فسيظل الجنيه قويًا مقابل الدولار، ويدفع زوج GBP/USD للارتفاع.
تقنيًا، تشير المؤشرات إلى أن زوج GBP/USD قد يظل في نطاق تصحيحي صاعد خلال العشر سنوات القادمة، مع نطاق تقلب رئيسي بين 1.25 و1.35. التباين في السياسات والمخاوف من المخاطر السياسية قد يدفع الزوج لاختبار مستويات 1.40، مع ضرورة الحذر من التصحيحات الناتجة عن المخاطر السياسية.
الدولار/اليوان الصيني: استقرار مدعوم بسياسات
سعر صرف الدولار مقابل اليوان يتأثر بشكل كبير بسياسات البنك المركزي الأمريكي والصين، بالإضافة إلى العرض والطلب في السوق. إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في رفع الفائدة، وتباطأت الصين، فسيضغط ذلك على اليوان، مما يدفع USD/CNH للارتفاع. لكن تدخلات البنك المركزي الصيني وسياساته ستظل تلعب دورًا مهمًا، وقد تحد من ارتفاع الدولار.
تقنيًا، من المتوقع أن يتداول الدولار بين 7.2300 و7.2600، مع عدم وجود زخم كافٍ لاختراق هذه المنطقة حاليًا. مراقبة الاختراقات ستوفر فرصًا للتداول، خاصة أن الصين، كأكبر حائز للدولار، تؤثر بشكل كبير على مساره.
الدولار/الين الياباني: ضغوط على الين
زوج الدولار/الين هو الأكثر سيولة بين العملات. مع ارتفاع الأجور اليابانية بنسبة 3.1% في يناير، وهو أعلى مستوى منذ 32 عامًا، قد تتغير الصورة طويلة الأمد، خاصة مع ارتفاع التضخم، مما قد يدفع بنك اليابان لتعديل سياسته النقدية. إذا تعرض لضغوط دولية، خاصة من الولايات المتحدة، فقد يسرع بنك اليابان في رفع الفائدة.
بناءً عليه، من المتوقع أن يتجه زوج الدولار/الين نحو الانخفاض خلال العشر سنوات القادمة، مع توقعات أن يضغط رفع الفائدة الأمريكية على الزوج، وأن تعزز انتعاشة الاقتصاد الياباني من الاتجاه النزولي. تقنيًا، إذا كسر الزوج مستوى 146.90، فسيواصل الهبوط نحو مستويات أدنى، مع مقاومة عند 150.00، مما يعكس ضغط تراجع طويل الأمد على الدولار مقابل الين.
الدولار/AUD: مرتبط بالسلع
الناتج المحلي الإجمالي لأستراليا في الربع الأخير نما بنسبة 0.6% على أساس فصلي و1.3% على أساس سنوي، مع ارتفاع الفائض التجاري في يناير إلى 562 مليار دولار، مما يدعم قوة الدولار الأسترالي. بنك الاحتياطي الأسترالي يتخذ موقفًا حذرًا، مع احتمالية منخفضة لخفض الفائدة مستقبلًا، مما يعزز موقف العملة.
رغم البيانات الإيجابية، فإن سياسات التيسير في الاحتياطي الفيدرالي وضعف الدولار الناتج عن ذلك سيظل يدعم ارتفاع زوج AUD/USD، خاصة أن العملة الأسترالية مرتبطة بشكل كبير بأسعار السلع، مما يعكس أن العملات السلعية ستظل قوية في بيئة تراجع الدولار.
الإطار الكلي لمسار الدولار خلال العشر سنوات القادمة
عند دمج الدورات التاريخية، والسياسات الحالية، والظروف الاقتصادية العالمية، يمكن تلخيص مسار الدولار المتوقع بأنه: انتقال تدريجي من وضعية قوية نسبيًا إلى تراجع معتدل، مع تقلبات مرحلية.
ثلاثة عوامل رئيسية تدعم هذا التوقع:
تحول السياسات النقدية: من تشديد إلى تيسير من قبل الاحتياطي الفيدرالي، مع تباين في سياسات البنوك المركزية الأخرى، مما يخلق تباينًا في السياسات. التجربة التاريخية تظهر أن تراجع الفائدة النسبية يدفع العملات الأخرى لزيادة قوتها مقابل الدولار.
تفاوت النمو الاقتصادي: من المتوقع أن يتباطأ النمو في الولايات المتحدة، بينما تظهر مؤشرات على انتعاش في أوروبا واليابان، مما يعاكس سيناريو القوة النسبية التي سادت بين 2011 و2020.
توجه نحو تقليل الاعتماد على الدولار (De-dollarization): رغم بطئه، إلا أنه مستمر، مع دول البريكس التي تعزز استخدام عملاتها المحلية، وتقليل حيازاتها من السندات الأمريكية، مما يضع ضغطًا على مكانة الدولار كعملة احتياط رئيسية على المدى الطويل.
استراتيجيات الاستثمار: كيف تستفيد من مسار الدولار في العشر سنوات القادمة
استراتيجية قصيرة المدى (1-2 سنة): التداول ضمن نطاق
قبل وضوح مسار سياسات الاحتياطي الفيدرالي، من المتوقع أن يتذبذب مؤشر الدولار بين 95 و103. يمكن للمستثمرين المتمرسين استخدام أدوات فنية (مثل تباينات MACD، وتصحيحات فيبوناتشي) لبيع المرتفعات وشراء الانخفاضات داخل هذا النطاق، والاستفادة من إشارات الانعكاس. أما المستثمرون المحافظون، فينصحون بالانتظار حتى تتضح الاتجاهات بشكل أكبر.
ينبغي الانتباه للمخاطر المحتملة، مثل تصعيد النزاعات الجيوسياسية التي قد ترفع من الطلب على الدولار كملاذ آمن، أو بيانات اقتصادية أمريكية قوية تؤجل خفض الفائدة، أو مخاطر الديون التي قد تضعف سمعة الدولار.
استراتيجية طويلة المدى (3-10 سنوات): التحول تدريجيًا إلى أصول غير أمريكية
مع تعمق دورة خفض الفائدة في الاحتياطي الفيدرالي، وتضاؤل عوائد السندات الأمريكية، ستتجه رؤوس الأموال تدريجيًا نحو الأسواق الناشئة ذات النمو المرتفع أو أوروبا التي تتعافى. على المستثمرين على المدى الطويل، تقليل مراكز الشراء على الدولار تدريجيًا، وتوزيع الاستثمارات على:
مبدأ الاستثمار الأساسي: أن مسار الدولار خلال العشر سنوات القادمة سيكون أكثر اعتمادًا على “البيانات” و"الأحداث"، وأن الحفاظ على المرونة والانضباط هو السبيل لتحقيق عوائد تفوق السوق. يجب مراجعة وتعديل مراكز الاستثمار بشكل دوري، استنادًا إلى اجتماعات البنوك المركزية، البيانات الاقتصادية، والأحداث الجيوسياسية، بدلًا من التمسك بموقف واحد ثابت.