في ظل المشهد الاقتصادي العالمي المتغير بسرعة، يبرز بهدوء برنامج يُسمى “حساب ترامب”، وهو ليس مجرد سياسة رفاهية، بل تجربة اجتماعية ضخمة تهدف لتغيير عميق في فهمنا للثروة، عدم المساواة، وحتى مستقبل الدولة. يمثل هذا البرنامج انتقالًا من مفهوم “إسقاط النقود من المروحية” التقليدي إلى “إسقاط حقوق الملكية من المروحية”، حيث يربط مصير الجيل القادم الاقتصادي مباشرة بأداء أسواق رأس المال.
إذا تم تنفيذ هذه السياسة بشكل كامل، فستوفر السيولة الدائمة لسوق الأسهم الأمريكية من الآن وحتى 18 سنة قادمة، وعلى المدى القريب تعتبر خبرًا إيجابيًا للسوق.
خلال نصف القرن الماضي، لم تكن تدخلات الحكومة في الاقتصاد أمرًا نادرًا. من إدارة الطلب على طريقة كينز إلى التيسير الكمي أثناء الأزمات المالية، اعتادت الحكومة الفيدرالية تحفيز الاستهلاك ودفع الطلب الكلي من خلال توزيع النقود مباشرة على المواطنين. شيكات الخصم في 2008، وحزم الدعم أثناء جائحة 2020، كلها أمثلة على ذلك. غير أن “حساب ترامب” كسر هذا النمط التقليدي، وقدم مفهومًا جديدًا: “إسقاط حقوق الملكية”.
“حساب ترامب” لا يكتفي بحل الأزمات الفورية، بل يحمل طموحًا أكبر. يسعى عبر تجميد الأصول الإجباري وتأثير الفوائد المركبة طويلة الأمد إلى ربط مصير الجيل القادم الاقتصادي مباشرة بأداء أسواق رأس المال.
تخيل أن كل طفل أمريكي مولود حديثًا سيحصل على “رأس مال بذري” بقيمة 1000 دولار من الحكومة الفيدرالية. هذا المبلغ ليس للاستهلاك الفوري، بل يُستثمر إجباريًا في سوق الأسهم ولا يمكن لأي شخص السحب منه قبل بلوغ المستفيد سن الرشد. إضافة إلى ذلك، تبرعت عائلة ديل بسخاء بمبلغ 6.25 مليار دولار لتوفير “رأس مال بذري” على شكل حقوق ملكية للأطفال المولودين قبل تنفيذ هذا البرنامج. هذا يمثل انتقال فكرة “مجتمع الملكية” من مجرد شعار سياسي إلى مشروع مالي ضخم وعملي.

يستند “حساب ترامب” إلى تشريع ضريبي وإنفاقي يدخل حيز التنفيذ في يوليو 2025. صُمم هذا البرنامج كأداة استثمارية ذات مزايا ضريبية، مشابهة لحسابات التقاعد الفردية (روث IRA)، لكن بقيود أكثر صرامة على عمر المستفيد وسحب الأموال.
أهم بنوده:

لكن التشريع يحتوي على فجوة واضحة بين الأجيال، إذ يغطي فقط المواليد الجدد بعد 2025 ولا يوفر دعمًا ماليًا للأطفال المولودين قبل ذلك. هنا، جاء تبرع مايكل وسوزان ديل الضخم ليسد هذه الفجوة، ممهدًا الطريق لأول تدخل مباشر لرأس المال الخاص في توزيع الرفاهية الوطنية.
تبرع ديل ليس شاملًا للجميع، بل يُوزع عبر خوارزميات جغرافية واقتصادية دقيقة. يجب أن يحقق الطفل الشروط التالية ليحصل على “رأس مال ديل” بقيمة 250 دولارًا:
ينتج عن ذلك نظام ثلاثي المستويات لـ"إسقاط حقوق الملكية":
يمثل تدخل ديل تحولًا كبيرًا في منطق سياسة الرفاهية: الانتقال من التوزيع عبر الضرائب إلى الاعتماد على “رأس المال الخيري” للأثرياء. ورغم أن التوزيع الخوارزمي يهدف للدقة، إلا أنه يخلق مشكلات عدالة جديدة مثل “خطأ تصنيف المناطق الراقية” و"فخ التكلفة العالية"، ما قد يحرم بعض الأسر منخفضة الدخل من الاستفادة.
تكمن قوة “حساب ترامب” في قدرته على استيعاب التمويل المستمر. يسمح البرنامج بسقف إيداع سنوي إضافي يصل إلى 5000 دولار، ويتغير مع التضخم بعد 2027. مصادر التمويل متعددة:
هذا الهيكل يجعله فعليًا “حساب تقاعد فردي فائق” للقُصّر. عند بلوغ المستفيد 18 عامًا، يتحول الحساب إلى حساب تقاعدي تقليدي وتُستخدم الأموال للدراسة الجامعية، شراء منزل لأول مرة، أو بدء مشروع جديد. أما السحب لأغراض غير محددة فسيخضع للضريبة وربما لغرامة. يجبر هذا الدمج بين التجميد والمزايا الضريبية على تراكم رأس المال على مدى طويل.
من أبرز ميزات “حساب ترامب” أمر الاستثمار الإجباري: إذ ينص التشريع على استثمار جميع الأموال في صناديق مؤشرات تتبع السوق الأمريكي مثل S&P 500. هذا يربط ثروة ملايين الأطفال الأمريكيين بمصير وول ستريت، ويضخ إلى السوق سيولة ضخمة من عمليات شراء غير حساسة للأسعار.
“فرضية السوق غير المرن” تشير إلى أن مرونة الطلب في سوق الأسهم أقل بكثير من الافتراضات التقليدية. كل دولار يدخل السوق قد يرفع القيمة السوقية بخمسة دولارات أو أكثر.
يمكننا تقدير أنه مع ولادة 3.5 مليون طفل سنويًا في أمريكا، سيُضخ 3.5 مليار دولار سنويًا من رأس المال الفيدرالي في السوق. ومع إضافة تبرع ديل وإيداعات ملايين الأسر الإضافية، يصبح لدينا تدفق أموال ضخم ومستمر. هذا التدفق غير مرتبط بتقييمات السوق بل بقوانين وتشريعات ومعدلات الولادة، ما يعني استمرار عمليات الشراء لمكونات S&P 500 سواء كان السوق صاعدًا أو هابطًا.
وقد يؤدي ذلك إلى تعزيز “تأثير الشركات الكبرى”، حيث تتدفق الأموال الجديدة بشكل غير متناسب إلى عمالقة مثل أبل ومايكروسوفت وإنفيديا. أظهرت الدراسات الأكاديمية أن الاستثمار السلبي يرفع أسعار الأسهم الكبيرة بشكل كبير وبعيدًا عن الأساسيات. لذا، قد يصبح “حساب ترامب” دون قصد رافعة لأسعار أسهم الكبار، ويزيد من تركيز السوق.
كما أن “حساب ترامب” هو رهان على تضخم الأصول. فبينما “إسقاط النقود” يرفع أسعار السلع الاستهلاكية، فإن “إسقاط حقوق الملكية” يؤثر مباشرة على أسعار الأصول. ينتقد البعض السياسة معتبرين أنها تدعم حاملي الأصول عبر زيادة الطلب على الأسهم بشكل مصطنع، ما يرفع الأسعار في ظل ثابت أو نقص العرض.
وهذا يخلق حلقة تغذية ذاتية: الأموال الفيدرالية ومدخرات الأسر تشتري الأسهم قسريًا، فترتفع الأسعار؛ ثم يدفع هذا إدارات الشركات إلى تفضيل إعادة شراء الأسهم بدلًا من توزيع الأرباح، مما يقلل العرض المتاح ويعزز ارتفاع الأسعار.
في الحقيقة، هو رهان وطني: الرهان أن هذه الهندسة المالية ستظل تخلق ثروة دفترية ولن ينقلب الأمر فجأة بانهيار تقييمات كارثي في المستقبل.
أكبر المخاطر التي يواجهها المستفيدون هي “مخاطر التسلسل”. على عكس نظام الادخار المركزي في سنغافورة الذي يوفر معدل فائدة مضمون، يُحمّل “حساب ترامب” كل المخاطر السوقية للأفراد. تخيل “مشكلة 2043”: إذا بلغ طفل مولود في 2025 سن الرشد في 2043 وتزامن ذلك مع انهيار السوق، فإن “المهر الوطني” سيختفي فجأة. لا توجد ضمن التشريع الحالي آلية تخفيض تلقائي للمخاطر عند الاقتراب من سن الرشد مثل “صناديق تاريخ الهدف”، ما يعرض المستفيدين لمخاطر متطرفة.
تدخل عائلة ديل يمثل أيضًا نموذجًا جديدًا للحوكمة الخيرية، فبشرط “متوسط دخل 150 ألف دولار للرمز البريدي”، تُمارس مؤسسة ديل فعليًا وظيفة حكومية في تحديد من يحق له الدعم. ورغم دقة إدارة البيانات الضخمة، إلا أنها لا تخلو من أخطاء تصنيف المناطق وفخاخ التكلفة العالية.
عندما تعتمد سياسة الرفاهية الوطنية على كرم الأفراد الأغنياء لسد الثغرات، يتغير جوهر العقد الاجتماعي. تصبح الرفاهية إحسانًا من الأغنياء لا حقًا مدنيًا مكفولًا بالقانون. قد يحل ذلك مشكلة التمويل مؤقتًا، لكنه يضعف استقرار نظام الرفاهية العامة على المدى الطويل.
للمقارنة وفهم مزايا وعيوب “حساب ترامب” عالميًا، يمكن وضعه ضمن سياسات الرفاهية القائمة على الأصول حول العالم:

نموذجًا رياضيًا: إذا كان العائد السنوي 7%، فطفل أسرة منخفضة الدخل يحصل على 1250 دولارًا ولن يتمكن من الإيداع الإضافي، سيصل رصيده بعد 18 سنة إلى حوالي 4200 دولار فقط. أما طفل الأسرة الثرية الذي يحصل على 1000 دولار من الحكومة ويودع 5000 دولار سنويًا، فسيصل رصيده إلى قرابة 200 ألف دولار بعد 18 عامًا، أي 46 ضعفًا.
يخشى المنتقدون أن “حساب ترامب” ليس مجرد إضافة رفاهية، بل مقدمة لتقليصها مستقبلاً. فقد يستخدم المشرعون وجود “حساب الأسهم للجميع” ذريعة لتقليص الضمان الاجتماعي أو المعونات الأخرى. وأشارت تقارير إلى أن التشريع يتضمن بنودًا لخفض إعانات التأمين الصحي وقسائم الطعام، أي استبدال “وعد مستقبلي” بـ"خبز اليوم" وهو أمر بالغ الخطورة للأسر الهشة.
استنادًا للبيانات الحالية والتجارب التاريخية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات لمستقبل “حساب ترامب”:

“حساب ترامب” وفكرة “إسقاط حقوق الملكية” خلفه يمثلان إعادة تشكيل عميقة لمنطق الحوكمة الوطنية الأمريكية. يسعى البرنامج بقوة الفوائد المركبة إلى تحويل كل مواطن إلى طرف مستفيد في أسواق رأس المال.
جوهر الرهان يرتكز على ثلاث فرضيات:
تبرع ديل أضفى وقودًا على البرنامج، لكنه كشف أيضًا هشاشته لاعتماده على إصلاح القطاع الخاص للنظام العام. إذا نجح، فقد يولد طبقة وسطى جديدة مالكة للأصول؛ وإذا فشل، فقد يدفن أمان جيل كامل الاقتصادي في تقلبات الأسهم.
لم يعد الأمر مجرد “إسقاط نقود”، بل أصبح “إسقاط ملكية”. إنه لا يعيد تعريف الرفاهية فحسب، بل يحاول أيضًا إعادة تعريف علاقة المواطن مع الرأسمالية. على مدى 18 عامًا من التجميد، لا تُجمد الأموال فقط، بل أيضًا كل تصورات المجتمع الأمريكي عن “الفرصة”.